ملا محمد مهدي النراقي

244

جامع السعادات

نعمة وبلاء بعينه ، فإنه لا يمكن أن يكون الصبر على موت ولد - أعني حبس النفس عن الجزع - هو عين الشكر على النعمة إذ موت الولد بعينه ليس نعمة بل هو مستلزم للنعمة . فالشكر على اللازم ، والصبر على الملزوم . فاختلفت جهتا الصبر والشكر ، فلا اتحاد . وما ذكرنا من الاتحاد إنما هو الشكر والصبر على النعمة وترك المعصية ، أو على البلاء والطاعة . وندعي أن من وصلت إليه نعمة ، فشكر عليها بعرفانها من الله ، ففرح بها وعمل بمقتضى الفرح ، من التحميد أو طاعة أخرى ، كان هذا الشكر عين الصبر عن المعصية هي الكفران ، أو على الطاعة التي هي التحميد وغيره . كذا من ابتلي ببلية ، فصبر عليها بحبس نفسه عن الجزع ، فهذا الصبر . عين الشكر بأداء الطاعة التي هي تعظيم الله بكف النفس عن الجزع ، أو عن المعصية التي هي الجزع والاضطراب . وهذا الاتحاد والعينية يطرد في كل صبر وشكر ، ولا يتحقق شكر لا يكون عن الصبر من هذا الوجه ، وبالعكس . وليس بينهما تضاد وتغاير أصلا ، واستلزم واختلاف الجهة إنما هو في 56 الصبر على البلاء والشكر على ما يستلزمه من النعم ، ولا يمكن هنا اتحادهما لتضادهما ، وفي هذه الصورة يكون كل من الصبر والشكر المتميزين عن الآخر باختلاف الجهة عين الآخر ، من حيث ملاحظة الاعتبار السابق فلا يمكن الترجيح في هذه الصورة مع اختلاف الجهة أيضا . فإن قيل عرفان النعم من الله داخل في حقيقة الشكر ، وليس داخلا في الصبر ، فينبغي أن يكون الشكر لذلك أفضل من الصبر . قلنا : في الشق الأول من صورة العينية والاتحاد ، يكون عرفان النعمة داخلا في الصبر وفي الشق الثاني منهما ، وفي صورة الاستلزام ، يدخل عرفان البلاء من الله في الصبر . فكما أن الشاكر يرى نعمة العينين من الله ، فكذا الصابر يرى العمى من الله ، فهما في المعرفة متساويان . ثم جميع ما ذكر في الفرق بين الصبر والشكر إنما إذا كانت حقيقة الصبر حبس النفس عن الشكوى في البلاء مع الكراهة والتألم ( 1 ) ، وعلى هذا يكون

--> ( 1 ) قال أستاذ البشر المحقق ( الطوسي ) - قدس سره - في تعريف الصبر ( الصبر حبس النفس عن الجزع عند المكروه ، وهو يمنع الباطل عن الاضطراب واللسان عن الشكاية ، والأعضاء عن الحركات غير المعتادة . )